تدوين النعم
يُصبح العبد ويُمسي في زحامٍ من النعم، حتى تألفها عيناه، ويعتادها قلبه، فيمرّ عليها كل يوم وكأنها أمرٌ عاديّ لا يستحق التوقف.
يفتح عينيه فيجد سقفاً يأويه، وفراشاً يحتضن تعبه، وجسداً يحمل روحه، وقلباً ينبض دون أن يستأذنه، ورئتين تمتلئان بالهواء،
وعينين ترى، وأذنين تسمعان، ولساناً يستطيع أن يذكر الله، وأشخاصاً يحبونه، وطعاماً يأكله، وماءً يشربه، وأماناً يحيط به، وستراً يستره، وفرصاً تأتيه، وأبواباً تُفتح له كل يوم…
ثم تأتيه مشكلة واحدة.
تتقدّم هذه المشكلة إلى مقدمة المشهد، فتحتلّ عينه وقلبه وفكره، حتى تبدو له الحياة كلها وكأنها هذه المشكلة.
يبدأ يومه بها، وينهي ليله عندها، يعيد تفاصيلها في ذهنه، يتخيّل أسوأ احتمالاتها، ويتساءل: لماذا أنا؟
وكأن آلاف النعم التي تحيط به قد اختفت فجأة.
وهنا تكمن إحدى أخطر حيل النفس حين تستسلم للغفلة:
أن تُكبّر ما يؤلمها حتى يحجب ما يُنعم عليها.
قد يملك الإنسان بيتاً هادئاً، ثم يحزن لأن شيئاً صغيراً في البيت لم يكتمل.
وقد يملك زوجاً يحبّه، ثم ينشغل بموقفٍ واحدٍ أزعجه.
وقد يملك أبناءً أصحاء، ثم يرهقه منهم موقف عابر.
وقد يملك عملاً ورزقاً، ثم يقضي يومه يفكر في بابٍ واحد لم يُفتح.
وقد يعيش في عافية سنوات طويلة، ثم إذا جاءه وجعٌ في يومٍ واحد شعر وكأن العافية كانت غائبة عن حياته كلها.
وهكذا يتحول الاستثناء في نظره إلى قاعدة، وتصبح النعمة خلفيةً صامتة، ويصبح البلاء هو العنوان.
مع أن الحقيقة أوسع بكثير.
النعمة التي اعتدتها ما زالت نعمة.
الصحة التي لم تفكري فيها اليوم نعمة.
الشخص الذي اعتدتِ وجوده إلى جوارك نعمة.
البيت الذي عدتِ إليه مراتٍ لا تُحصى نعمة.
قدرتك على النوم والاستيقاظ والحركة والكلام والتفكير نعمة.
حتى الأشياء التي تبدو صغيرة جداً حين تجتمع، تصنع حياةً كاملة.
ولذلك قال الله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
تأملي التعبير:
نعمة الله.
ثم:
لا تحصوها.
كأن الإنسان مهما حاول أن يعدّ ما حوله، سيكتشف أن الحساب أكبر من قدرته على الإحصاء.
والأعجب من ذلك أن كثيراً من أعظم النعم لا نشعر بها إلا حين نفقدها.
ننام دون أن نشكر نعمة النوم، حتى تأتي ليلة لا نستطيع فيها النوم.
نمشي دون أن نفكر في نعمة القدمين، حتى يؤلمنا شيء فيهما.
نتنفس دون أن نتذكر نعمة الهواء، حتى يضيق النفس.
نسمع أصوات من نحب دون أن ندرك قيمة وجودهم، حتى يصبح صوتهم بعيداً.
نعيش في العافية حتى يأتي المرض فيعلّمنا كم كانت العافية واسعة.
ولهذا فإن الشكر ليس مجرد كلمة:
«الحمد لله».
الشكر حالة وعي.
أن ترى النعمة وهي موجودة.
أن ينتبه قلبك إلى الأشياء التي اعتادتها عيناك.
أن تتوقف أحياناً وسط يومك وتسأل نفسك:
كم شيئاً جميلاً يحدث الآن دون أن أطلبه؟
كم نعمة تحيط بي ولا أفكر فيها؟
كم باباً أُغلق، وفي المقابل كم باباً بقي مفتوحاً؟
كم شيئاً ظننته حقاً مكتسباً، وهو في الحقيقة فضلٌ من الله؟
وحين تفعل ذلك، يتغير شيء عميق في داخلك.
تظل المشكلة موجودة، لكن حجمها يعود إلى مكانه الطبيعي.
تظل الأمنية التي لم تتحقق تؤلمك، لكنك تتذكر أن حياتك أوسع منها.
يبقى الفقد موجعاً، لكنك ترى أيضاً ما بقي لك.
يبقى الانتظار ثقيلاً، لكنك تعرف أن الله لم يتركك فارغ اليدين.
وهنا يأتي معنى عظيم في الإيمان:
أن العطاء والمنع كلاهما يجريان تحت علم الله وحكمته.
قد يعطيك الله شيئاً فتظنين أن العطاء هو عين الرحمة.
وقد يمنع عنك شيئاً فتحزنين لأنك رأيتِ في المنع حرماناً، بينما لا ترين الصورة التي يراها الله.
كم من شيء تمنيناه، ثم اكتشفنا بعد سنوات أن عدم حصولنا عليه كان رحمةً عظيمة.
وكم من بابٍ بكينا لأنه أُغلق، ثم حمدنا الله بعد زمن لأنه لم يُفتح.
وكم من تأخيرٍ ظننّاه تعطلاً، ثم اكتشفنا أنه كان إعداداً.
وكم من شخصٍ خرج من حياتنا فظننا أن الخروج خسارة، ثم أدركنا أن الله كان يحمينا من طريقٍ لم نكن نرى نهايته.
لذلك يقول المؤمن:
الحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما منع، والحمد لله على ما فهمنا حكمته، وعلى ما عجزنا عن فهم حكمته.
فالله يرى ما وراء اللحظة.
ونحن نرى اللحظة.
نحن نرى الباب المغلق، وهو يعلم ما وراءه.
نحن نرى الشيء الذي نريده، وهو يعلم ما سيصنعه ذلك الشيء في قلوبنا وحياتنا.
نحن نرى التأخير، وهو يعلم التوقيت.
نحن نرى المنع، وهو يعلم العواقب.
ولهذا كانت الطمأنينة الحقيقية في أن يعيش القلب بين أمرين:
شكرٍ على النعمة، وثقةٍ في تدبير الله.
فإذا جاءه العطاء شكر.
وإذا جاءه المنع صبر.
وإذا جاءه البلاء احتمى بالله.
وإذا طال الانتظار أحسن الظن بربه.
وإذا نسي نعمه عاد إليها بقلبه من جديد.
لأن الحياة لن تخلو من الشيء الذي يؤلم.
حتى أكثر الناس سعادةً سيجد في يومه ما يزعجه.
وحتى أكثر البيوت استقراراً فيها ما يحتاج إلى صبر.
وحتى أكثر الناس صحةً يمرّ عليه تعب.
وحتى من يملك كثيراً، سيبقى هناك شيء يريده ولم يحصل عليه.
فالسؤال الحقيقي ليس:
هل في حياتي ما يؤلمني؟
السؤال الأعمق:
هل أسمح لما يؤلمني أن يحجب عني ما أنعم الله به عليّ؟
وهنا يحتاج القلب إلى تدريب يومي.
كلما اشتدت عليكِ فكرة واحدة، انظري إلى الصورة كاملة.
قولي لنفسك:
هذه مشكلة في حياتي، وليست حياتي كلها.
هذا التأخير جزء من قصتي، وليس القصة كلها.
هذا الوجع حاضر الآن، وقد جعل الله إلى جانبه نعماً كثيرة حاضرة أيضاً.
ثم قولي من أعماق قلبك:
الحمد لله.
ليس لأن الألم صار جميلاً.
وإنما لأنك تعرفين أن وراء الألم رباً حكيماً.
الحمد لله على النعم التي أعرفها، وعلى النعم التي لم أنتبه إليها.
الحمد لله على ما جاءني كما تمنيت، وعلى ما جاءني بصورةٍ أخرى.
الحمد لله على الأبواب التي فُتحت، وعلى الأبواب التي أُغلقت لحكمةٍ لم أفهمها بعد.
الحمد لله على الأشخاص الذين أسعدوا قلبي، وعلى من علّمتني الحياة من خلالهم دروساً لم أكن لأتعلمها وحدي.
الحمد لله على الصحة حين تكون في الجسد، وعلى العافية التي تحيط بنا في تفاصيل لا نشعر بها.
الحمد لله على الرزق الظاهر، وعلى الأرزاق الخفية التي لا تُرى بالعين.
الحمد لله على كل صباحٍ ما زال يحمل فرصةً جديدة.
الحمد لله على كل مساءٍ نستطيع أن نعود فيه إلى الله.
الحمد لله حتى حين تضيق بنا الأسباب، لأن رب الأسباب واسع الرحمة.
والحمد لله حتى حين لا نفهم، لأن عدم فهمنا لحكمة الله لا يعني غياب الحكمة.
ربما تحتاجين اليوم إلى أن تنظري حولك قليلاً.
إلى يديك.
إلى بيتك.
إلى من يحبونك.
إلى صحتك.
إلى إيمانك.
إلى ستر الله عليك.
إلى الأشياء الصغيرة التي تمضي معك كل يوم دون ضجيج.
ثم اسألي قلبك:
ماذا لو أنني أعيش الآن وسط نعمٍ كنت أدعو الله بها قبل سنوات؟
كم أمنية قديمة أصبحت واقعاً حتى صارت مألوفة؟
كم دعاء استجاب الله له ثم نسيتِ أنك كنتِ يوماً تبكين وأنت تسألينه؟
كم نعمة كنتِ تخافين فقدانها وما زالت بين يديك؟
ربما المشكلة التي تشغل قلبك اليوم حقيقية وتستحق التعامل معها.
لكنها تستحق أيضاً أن توضع في حجمها الصحيح.
فلا تجعلي عثرةً واحدة تختصر الطريق كله.
ولا تسمحي لنعمةٍ واحدة مفقودة أن تجعلك تنسين آلاف النعم الموجودة.
أعيدي عينيك إلى المشهد كاملاً.
ستجدين أن الله الكريم معك دائما، حتى في الأيام التي ظننتِ فيها أن شيئاً واحداً كان ينقصك.
وحين يستيقظ القلب على هذا المعنى، يصبح قول:
الحمد لله
أعمق من مجرد كلمة.
يصبح اعترافاً.
وثقةً.
وعبادةً.
ورؤيةً جديدة للحياة.
اللهم ارزقنا قلباً يرى النعمة قبل زوالها، ويشكرها قبل اعتيادها، ويرضى بتدبيرك حين يفهم وحين يعجز عن الفهم.
اللهم لا تجعل ما فقدناه يُعمينا عما أبقيت لنا، ولا تجعل ما تأخر عنا ينسينا ما أغدقت علينا.
واجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا مُنع صبر، وإذا ابتُلي لجأ إليك، وإذا كثرت عليه النعم عرف صاحب النعمة.
الحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على كل منعٍ كان في علم الله عينَ العطاء.
وهنا أقدم لك تمرين بسيط حاولي تطبيقه وستلاحظين الفرق في رؤيتك للأمور بأذن الله
حملي الكتيب منها: